الواحدي النيسابوري
155
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون أنبياء اللّه ؛ لأنّه ليس سبيل المؤمنين أن يقتلوا الأنبياء ، ولا أن يتولّوا قاتليهم . 92 - وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ يعنى : العصا ، واليد ، وفلق البحر ، وما أوتى موسى من الدّلالات الواضحة ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ أي : من بعد انطلاقه إلى الجبل [ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ] . وهذه الآية توبيخ لليهود على كفرهم ، وعبادتهم العجل ، بعد ما رأوا آيات موسى عليه السّلام ، وبيان أنّهم إن كفروا بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فليس بأعجب من كفرهم في زمان موسى عليه السّلام ! 93 - وقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ مفسّر فيما سبق « 1 » إلى قوله : وَاسْمَعُوا أي : ما فيه من حلاله وحرامه . قالُوا سَمِعْنا ما فيه ، وَعَصَيْنا ما أمرنا به « 2 » . وقال الحسن : « قالُوا سَمِعْنا » بألسنتهم ، « وَعَصَيْنا » بقلوبهم . والمفسّرون اتّفقوا على أنّهم قالوا : ( سَمِعْنا ) لمّا أظلّ الجبل فوقهم ، فلمّا كشف عنهم ، قالوا : ( عَصَيْنا ) . وقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ « الإشراب » : خلط لون بلون « 3 » . يقال : « أبيض مشرب حمرة » « 4 » : إذا كان يخالطه حمرة . قال أبو عبيدة والزّجاج : معناه سقوا حبّ العجل وخلطوا به حتّى اختلط بهم ، وبيّن أنّ محلّ ذلك الحبّ قلوبهم ، وأنّ الخلط حصل فيها ، فأسند الفعل أوّلا إلى الجملة ، ثم خصّ القلوب ، كما تقول : « ضربوا على رؤوسهم » ، وأراد : حبّ العجل ، فحذف المضاف ؛ كقوله تعالى : ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) « 5 » .
--> ( 1 ) انظر معنى ذلك فيما تقدم عند تفسير الآية 63 من سورة البقرة صفحة 122 ، 123 . ( 2 ) قال الفراء : سمعنا قولك وعصينا أمرك ( معاني القرآن للفراء 1 : 61 ) . ( 3 ) « كأن أحد اللونين سقى اللون الآخر » ( اللسان - مادة : شرب ) . ( 4 ) أ : « أبيض مشربه حمرة » . ( 5 ) سورة يوسف : 82 . انظر ( معاني القرآن للفراء 1 : 61 ) و ( مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 : 47 ) و ( تفسير القرطبي 2 : 31 ) و ( البحر المحيط 1 : 308 ، 309 ) و ( اللسان - مادة : شرب ) قال الطبري : « وأولى التأويلين : تأويل من قال : وأشربوا في قلوبهم حب العجل ؛ لأن الماء لا يقال منه : أشرب فلان في قلبه ، وإنما يقال ذلك في حب الشئ ، فيقال منه ؛ « أشرب فلان حب كذا » بمعنى : سقى ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه . . » ( تفسير الطبري 358 - 359 ) .